اعلان

الأربعاء، 10 يونيو 2015

المبادرة المقلوبة و البـطء السريـع




مهما كانت الوسيلة التي إستعملتها في سفرك الطويل ، الذي سافرته منذ طفولتك إلى اليوم ، ولا تزال فيه وعليه .. فأنت إما أنك سافرت على قدميك.. أو على حصان .. على دراجة .. أو سيارة.. أو ربما حتى الطائرة ..
وفي هذا السفر مشيت بسرعة فائقة .. حسب المركبة التي إستعملتها ..
هذه السرعة ، هي من مميزات العصر الحديث ، وطابعه الخاص الذي يميزه عن بقية العصور الأخرى..
وأنت تفاعلت معه.. فدخلت معه في نفس السرعة .. فأسرع بك هو أيضا..إلى حيث لا تدري.. وقطعت مسافات طويلة جدا عبر مجموعة طويلة من السنوات..
لكن سرعة العصر أسرع منك دائما مهما بلغ إستعدادك للمنافسة..
خرجت من دارك منذ طفولتك.. ولم تعد إلى اليوم ..
وفي يوم ما انتبهت فجأة إلى مغبة الفعل الذي قمت به.. والنتيجة المزرية التي وصلت إليها ..
إنتبهت إلى أنك قضيت وقتا طويلا ، ضاع فيه شبابك كله وانتهى إلى غير رجعة.. وسوف لن يعود .. وانتهت معه طموحاتك وأحلامك وأمانيك .. ومشاريعك التي لم يتحقق معظمها على مستوى الواقع ، إن لم أقل كلها..
وأصبحت حالتك الجسدية والنفسية تلوح بعلامات مرضية لا عهد لك بها أيام شبابك..
بدأ كل شيء يتغير فيك وعليك.. من أمامك وورائك ومن جميع الجهات..
الشكل واللون .. طريقة الكلام..المشي..السلوك الجسدي والنفسي..
التفاءل تغيّر إلى تشاءم.. والأمل حل محله اليأس.. الشعور بالبهجة والسرور حل محله القلق والإكتئاب.. النشاط الجدي تحول إلى شعور بالعجز في كل شيء..
لم يعد طعم الحياة كما كان عليه في السابق..
ولم تعد المشاعر سوى صربات قلق وتشاءم ويأس..
وتبدأ تساءلات غريبة ليس لها جواب مقنع..
قد تتساءل أين كنت طوال هذا الوقت ؟ أين طفولتي ؟ أين شبابي؟ أين أحلامي وطموحاتي؟ أين مركزي ؟
والجواب ليس إلا واحدا ..
السبب يعود إلى أنك عشت غريبا عن نفسك ، وأهلك ، ووطنك ، لمدة طويلة جدا من الزمن..
لقد كنت في خصام شديد مع نفسك..وعدوانية نكراء..
وبررت تصرفاتك اللاعقلانية ، في أنك تعيش من أجل فائدة البشر والمجتمع.. ومن أجل فائدة عائلتك.. فتعبت كثيرا من أجلهم تعبا شديدا ، ضحيت فيه بكل شيء..
وبالرغم من كل هذه المتاعب الشديدة التي مريت بها لسنوات طويلة .. والتضحية التي تبنيتها.. والمجازفة التي تمسكت بها.. والمخاطر التي واجهتها طوال هذا السفر الطويل.. إلا أنك تلقيت كلمات غير لائقة من أهلك وأولادك..
سيقولون بأنك لم تحميهم كما ينبغي من ضربات الجوع..
لم تضمن لهم الأمن الكامل..
لم تضمن لهم مصيرهم..
لم تحقق لهم أحلامهم الرومانسية ..
 و..
كل هذا بالرغم ما قمت من أجلهم من التضحيات والمجازفات ..
وبالرغم من التعب الشديد والغربة الطويلة..
وبعدها تبدأ تشعر بتأنيب الضمير..
سيزداد لديك الشعور بالذنب أكثر وأكثر..
ويظل هذا الشعور يراودك بقية حياتك..
ثم تشعر عندئذ بالندم..
هذا الندم هو القاتل المهذب والفتاك..
سينعكس هذا الشعور بالندم من نفسك إلى جسدك وتبدأ المخالصة الحقيقية..
وأنت عندئذ إرتكبت غلطة فاحشة حينما إستسلمت لهذا الشعور..
كان ينبغي لك أن تندم حقا حقا .. لكن ليس على عدم تحقيقك للأحلام الرومانسية التي يحلم بها أهلك وأطفالك..
هذه الأحلام الخيالية والرومانسية لا يستطيع تحقيقها أي إنسان على وجه الأرض..
فالله وحده هو الذي يستطيع تحقيقها..
بل كان يجب عليك أن تندم على ذلك السفر الطويل الذي قطعته جريا على الأقدام لمدة سنوات طويلة ، هروبا من نفسك وانقيادا وراء أفكار المجتمع الخاطئة..
هذا المجتمع الذي تعبت وضحيت من أجله أيضا رماك في سلة المحذوفات..
في سلة المهملات..
لقد دفع بك إلى التقاعد..
هذا التقاعد هو الصديق الحميم لليأس والدخول في الإكتئاب..
اليأس والإكتئاب سينعكس على الجسم أيضا ، وتبدأ علامات المرض واضحة..
كل هذه التضحيات الضخمة راحت هباء منثورا..أدراج الرياح..
وكانت مكافأتك ثمن بخس .. دراهم معدودة .. فرموك في سلة المهملات ..
وبدأت تتقاضى أجرا يسمى بالتقاعد..
لقد دفعت الكثير والكثير ، لتنال القليل.. مجموعة من الدينارات كل شهر أو شهرين.. مقابل تضحيتك بشعورك بالحياة والإستقرار طوال كل حياتك..
الشعور بالحياة لا يظاهيه دينار ولا ذهب ولا فضة .. إلا إذا كنت تستعيض عنه باستعدادك للقائك مع الله بقلب سليم..
لا شيء أثمن من الشعور الداخلي للإنسان .. إحساسه.. فطرته الربانية التي ولدت معه .. والبصيرة الثمينة فيه.. وليس الفكر الأعمى الذي تلقاه من المجتمع ..
ولا شيء أثمن من التمتع بمشاعرالحياة ، وجمال الكون ، واللذة الموجودة وراء صمت الطبيعة الساكنة.. ووراء الشعور بالإستقرار وراحة البال والضمير..
لقد تخليت عن كل هذه الأشياء الثمينة فوصلت للإستسلام إلى اليأس كآخر خطوة من نشاطك النفسي والجسدي..
هذا الإستسلام إلى اليأس هو النتيجة المباشرة لهروبك من نفسك طوال حياتك..
لكن ..
ولكن ..
إذا شعرت بهذا ، في أي وقت من الأوقات ، قف حيثما كنت.. لا تتحرك..
خذ الأمر بجد ..
عش مدة ساعة على الأكثر لحظة تفكير وتأمل..
أرجع للوراء ..
عش مع أفكارك ببطء..
تذكر أنك سافرت بعيدا وطويلا..
وتركت نفسك بعيدة عنك.. وطفولتك ، وشبابك ، ومشاعرك الفطرية فيك ، وبصيرتك الثمينة..
لقد عشت غريبا.. فانتهت حالتك إلى ما هي عليه الآن..
لكن لا تندم .. فالندم لا يجدي نفعا.. ولا تستسلم لليأس.. بل إفتح صفحة في الأمل من جديد..
 الأمل هو سر الحياة..
لا تكترث على الوقت الذي ضاع.. بل هناك وقت أحسن منه ، وأكبر منه.. وأنفع منه..
وذلك حينما تعيشه بشعورك وبأحاسيسك وعواطفك .. وتعيشه ببصيرتك الثمينة التي خلقها الله فيك .. لا بأفعالك كما كنت تعيش في الماضي..
عش بشعورك ووعيك وإحساسك وبصيرتك التي فقدتها منذ زمان..
تصالح مع نفسك التي كنت في حالة عدوانية معها..
تذكر أنه لا زال الوقت ظهرا.. ولا زال أمامك العصر والمغرب والعشاء ، والشفع والوتر.. وقيام الليل.. والتهجد.. وكذا الفجر والصبح..
إنها دورة الحياة..
والحياة أوسع من شعورك الذي تشعر به..
فشعورك حاليا مليء باليأس والإكتئاب والندم ..
أما الحياة فهي مليئة بالبهجة والسرور..
تذكر كلام سيد الشهداء حمزة عليه السلام ، حينما تكلم مع النبي(ص) في بداية الدعوة حيث قال :
" يامحمد..عندما أجول ليلا بالصحراء.. أدرك أن الله أكبر من يوضع بين أربعة جدران "
إنها العبارة التي تنطلق من قمة الإحساس ..
إنها النتيجة التي ينتهي إليها التأمل..
وعلى هذا يقول حبيبنا ونبينا محمد (ص):
" تأمل ساعة خير من عبادة سبعين سنة "
فنحن لا ندرك الله بالمال ، واكتناز الذهب والفضة.. وربح الدولارات .. ولا بالجاه والقبول.. ولا بالعبادة.. بل ندركه عن طريق التأمل..
لأن العبادة تقربك من الله ، لكنها لا تعرّفك به..
وكذلك لا ندرك الحياة بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، بشعور غائب ووعي شارد..
فالحياة ليس لديها أي معنى إن كانت مجردة من الشعور[1]..
هذا الشعور عاقبناه بضربات الجلاد والإعدام اللاشرعي..
إن الوقت لا زال ظهرا.. وأمامنا طريق آخر أجمل من الأول..
إنه طريق العودة والرجوع إلى الحياة الحقيقية ..
الرجوع من ذلك السفر القديم والطويل ، يختلف تمام الإختلاف عن السفر الأول..
إنه عكسه تماما..
يجب عليك أن تدور بزاوية قدرها ثلاثمائة وستون درجة..
عندما سافرت .. سافرت بأنياب بارزة جاهزة للعض .. هي أنياب العدوانية..
عدوانية نحو نفسك. ونحو المجتمع.. ونحو الله..
لكن أثناء عودتك ، يجب أن تغيّر من ملمح العض إلى ملمح الإبتسامة والحب..
حب كل شيء في الحياة..
حب النفس.. وحب الله.. وحب الوطن.. والمجتمع.. والطبيعة بما فيها .. والأهل والأبناء..
فالحب هو المركبة التي يجب عليك أن تركبها أثناء عودتك من سفرك المؤلم.. وهو الوصفة الطبية الكاملة لعلاج الأمراض الجسدية والنفسية التي أصبت بها ، كما يقر بذلك مجمع العلماء من جميع الأنحاء ..
يجب معالجة الأمور بضدها..
فالميكروب نعالجه بدواء مضاد..
والسم بترياق مضاد أيضا..
لكن العدوانية ليس لها دواء سوى الحب..
هذه العدوانية هي السبب الرئيسي لأمراض العصر بما فيها حتى مرض السرطان ..
عندما يستسلم الإنسان لمشاعر العدوانية يستسلم في نفس الوقت إلى الشعور بالتوتر والإضطراب ، والقلق والإكتئاب.. وإن طال زمانه على هذه الصورة فإنه سيتلقى عقوبات جسدية عنيفة.. ومن جملتها إرتفاع الضغط الشرياني ، وتصلب العضلات ، والروماتيزم ، والإضطرابات القلبية ... إلى غير ذلك من الأمراض التي يسميها الأطباء بأمراض الشدة[2]..
أما عندما يستسلم الإنسان لمشاعر الحب ، فإنه يستسلم في نفس الوقت إلى الإسترخاء وزوال القلق والإكتئاب..
القلق والإسترخاء لا يجتمعان في مكان واحد[3]..
كما يستسلم لمشاعر البهجة والسرور ، بسبب تخلصه من الشعور بالذنب الذي كان ملازما للعدوانية..
سوف يشعر برضاء نفسه عليه ، وبرضائه عن نفسه.. كما يشعر برضوان الناس ورضوان الله.. وبذلك يصل لدرجة الإطمئنان..
الوصول لدرجة الإطمئنان هو القمة الكاملة للصحة النفسية والجسدية..
وهو ما جاء في العبادة الخالصة لوجه الله..
فالصلاة ليس إلا ذلك الشعور بالإسترخاء ، عندما يصلي المسلم المؤمن بخشوع لله سبحانه وتعالى .. ومن وراء هذا الإسترخاء سوف يصل إلى قمة الشعور بالإطمئنان ، وهو في نفس الوقت قمة الشعور بالصحة والسعادة الكاملة.. ومنه الشعور بمعية الله..
الشعور بالمعية الإلهية يبيد الشعور بالوحدة التي تعتبر الدافع الأساسي للعدوانية النكراء..
والحج ليس إلا ذلك اللقاء الذي يحدث بين المسلمين في زمن واحد ومكان واحد ، حيث تتوحد مشاعرهم في حب الله وعبادته..  
إنه ذلك الحب المشترك الذي تتوحد فيه المشاعر ، أمام الخالق الأسمى ، فينعكس ذلك على حب بعضهم البعض..
حب المسلم للمسلم بسبب ديانتهم الموحدة واتجاههم في العبادة..
هذا الحب هو الكفيل بتحطيم العدوانية التي يزرعها الشيطان بين بني البشر .. كما هو كفيل بعلاج الأمراض حتى المتعصية منها بسبب ما تقدمه للجسد والنفس من مشاعر إيجابية..
وإليك تجربة بسيطة ..
إمسك حجرة من الأرض بيدك.. قبّلها..ضمها إلى صدرك..كأنك تعانقها..تخيل أنك تحبها وهي أيضا تحبك حبا جما.. تفاعل معها..عش معها بكل إحساسك وعواطفك ومشاعرك.. لدقائق معدودة .. تخيل أنك لا تستطيع فراقها من شدة حبك لها.. لا تستطيع وضعها على الأرض كما كانت ، وإن وضعتها فضعها برفق..
وبعد دقائق سوف تشعر ببهجة عظيمة تغمر نفسك..واسترخاء في عضلاتك التي كانت متوترة .. ولو قست الضغط قبلا وبعدا لوجدت فرقا كبيرا..
لقد حدث هذا بسبب حلول مشاعر الحب مكان مشاعر العدوان..
حلول المشاعر الإيجابية بدلا من السلبية..
إنها الشعور بالإنسانية الحقيقية..
هذا الحب علمتنا إياه حجرة من الأرض بكل بساطة..
فكم من أشياء لا نعطيها إهتماما.. في حين لو إنتبهنا إليها لأوصلتنا إلى قمة العلم..
ولذلك يقول سبحانه وتعالى:
" وكأيّن من آية في السماوات والأرض يمرون عنها وهم عنها معرضون "
وهو ما لاحظناه في تجربة العالم نيوتن.. فمن إستفهامه حول سقوط حبة تفاح إلى الأسفل بدلا من إرتفاعها إلى الأعلى توصل إلى مفهوم الجاذبية ، ومنها إلى غزو العلماء للفضاء الخارجي.
وكذلك فعل العالم مندل في الوراثة ، حيث إستفهم حول ظهور أزهار بيضاء بدلا من حمراء أو صفراء ، ومنها توصل إلى باب كامل في علم الوراثة.. ومنها تمت مساعدتنا للدخول إلى لب القرآن الكريم فنصحح مجرى تفسيره في الآية :
" إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه "[4]
كل هذه الأشياء غابت عن أذهاننا بسبب ذلك السفر الطويل القديم ، الذي بدأ مع طفولتنا وانتهى أو كاد أن ينته وقت دخولنا في سن الكهولة والشيخوخة..
عندما سافرنا .. سافرنا بسرعة كبيرة..
أما عند رجوعنا .. فيجب أن نرجع ببطء كبير.. وكبير جدا..
وكلما أبطأنا ، كنا أسرع من أي سرعة كانت..
إذا أردنا أن نسرع ، فيجب عندئذ أن نبطئ..
بالبطء ندرك السرعة التي نريدها..
وسوف يظهر لنا أن هذا نوع من التناقض..
لكن هذا التناقض يزول عندما نجرّب..
الشعور بالتناقض خلقه فكرنا بمبادرة الإنتقاد الأعمى..
والإنتقاد أحد ظواهر العدوانية..
أما الشعور باللاتناقض خلقه إحساسنا وبصيرتنا التي فقدناها أثناء ذلك السفر الطويل.. حينما كنا مغرورين بأنفسنا ، واسترجعناها عند عودتنا من هذا السفر..
إننا سوف نسرع عن طريق البطء..
وهو ما أسميه أنا بدوري بالمبادرة المقلوبة..
عش بطيئا في كل شيء.. تجد نفسك سريعا في كل شيء..
عندما تمشي ، إمش ببطء.. وعندما تأكل ، كل ببطء.. وعندما تتكلم ، تكلم ببطء.. وكذلك تفعل عندما تقرأ أو تكتب.. خاصة حينما تفكر..
عندما تفكر بسرعة فإنك حتما ترتكب أخطاء ، لا تزول إلا بإعادة التفكير من جديد ، وستصل إلى الخطأ مرة ثانية ، وتعيد كرة التفكير ، ثم.. و ثم ... وبعدها ستجد أنك أبطأت في الجواب لأنك أسرعت فيه ..
أما عندما تفكر ببطء فإنك تصل إلى الجواب بسرعة.. وستكتشف أن هذا البطء كان بطء سريعا ، لأنه إنتهى إلى نتائج سريعة..
عندما تشعر بآلام نفسية ، مهما كانت درجتها ، لا تهرب منها ، بل واجها مواجهة بطيئة أيضا.. فكر فيها ببطء .. عش معها بتأني.. إذهب معها بعيدا حيثما ذهبت ، ولا تتوقف إلا بتوقفها.. لا تعاكسها ، بل راقبها فقط مراقبة بطيئة ، وشاهدها من داخل نفسك مشاهدة بطيئة أيضا، وبكل حيادية.. لا تفكر في التخلص منها .. لا تهجم عليها ، بل إستمر في مشاهدتها ومراقبتها.. وستجد بعد لحظات أنها زالت[5] من جذورها عن إعتبارات مجربة..
الغرائز أمور فطرية في الإنسان..ولدت معه.. ومن بينهم غريزتان تتصارعان مع بعضهما..غريزة الحياة وغريزة الموت.. أي غريزة الحب وغريزة العدوان.. وكل غريزة منهما تسعى للتغلب على الأخرى..
فإن تغلبت غريزة الحب كانت الصحة والعافية..
وإن تغلبت غريزة العدوان كان الإضطراب النفسي والمرض الجسدي..
عندما كنت مسافرا ، كنت معتمدا على أذنيك.. على حاسة السمع.. تستمع لما يقوله الناس من نميمة نكراء..
أما الآن فلا تعتمد إلا على حاسة بصرك ولا تؤمن إلا بما تراه عيناك.. وتلك هي قمة الإنسانية.. والدرجة الأسمى من العبادة الخاصة لوجه الله على صرط مستقيم مبعثه الدين الإسلامي الحنيف..
وبهذا تكون قد أدركت الباقي من تقنيات الرجوع التي سوف تستخلصها بنفسك.. والتي تختلف تماما عن تقنيات سفرك الشنيع..
أجل عد إلى نفسك لتعود نفسك إليك..



- سيد قطب[1]
- مجموعة من الأمراض التي تأتي متلازمة مع بعضها في حين واحد..[2]
- د.لوبي[3]
- سورة الإنسان[4]
- عن العالم أوشو و مريم نور[5]

الاثنين، 25 مايو 2015

" ويتعلمون ما يفرقون به بين المرء وزوجه"





قد يحدث لبعض الناس أن يصابوا بأعراض نفسية أليمة عقب صدمة نفسية عنيفة .. أو عقب التعرض إلى الفشل والإخفاق في مسألة ما ، كالإخفاق في الحب أو الزواج أو أي عملية جنسية غير موفقة.. أو نتيجة لدخولهم في ظروف مشابهة للظروف التي حدثت فيها صدمة نفسية وقت الطفولة والتي سقطت في اللاشعور.. أو نتيجة للتعرض لخسارة مالية كبيرة .. إلى غير ذلك من الأسباب..
تتميز الأعراض غالبا بفقدان الوعي لفترات محدودة ، وعدم القدرة في السيطرة على النفس وضبط السلوك ، وظهور هواجس ومخاوف ، أو ظهور هلوسة سمعية أو بصرية أو حتى لمسية..
إرتجاف وظهور حركات جسدية مخيفة ، تؤدي إلى الظن في كثير من الأحيان بأنها حركات جني أو شيطان.. وقد يحدث فيها إعوجاج باليدين ..
أو يظهر الشخص بقوة غير معتادة فيه ، فيستطيع أن يتحدى مثلا هجوم العائلة في الوقت الذي تريد السيطرة عليه من أجل علاجه.. حيث أن الجانب العدواني يسيطر على معظم سلوكياته. 
وغالبا ما يظهر تشويه بالجسم ، حيث تصغر العينان إلى أن تصبحا في شكل نقطتين على الوجه.. ويصعد الفك السفلي فوق العلوي في منظر عجيب ومخيف ، إلى جانب ما يبعثه من الإشمئزاز والرعب في نفس الملاحظ..
لكن الأمر الذي يبعث إلى الإثارة بشكل أكثر ، هو الكلام الذي يصدر عن المريض المخالف لطبيعته وعادته ، كأن يتغير صوت الأنثى إلى صوت ذكر.. أو يتغير صوت الذكر إلى أنثى.. أو يظهر كلامه على شكل نباح كلب أو مواء قط...
وقد يظهر جانبا كبيرا من إطلاع المريض على أمور غيبية بحتة ، فيقول بمجيء فلان اليوم وهو على طريق كذا.. أو سيحدث اليوم كذا وكذا ، وغالبا ما تكون النتائج صحيحة إلى حد ما..  
 كما قد يتحدث المريض بلغة لا يعرفها من قبل ، وهو بطبيعة الحال لم يتعلم في مدرسة ولم يمسك القلم طوال حياته..
هذه الملاحظات الغريبة ، تقود الملاحظ إلى إستنتاج بأن ما يحدث أمامه ما هو إلا من فعل مس جني لا غير.. من حيث أنه لا يمكن القيام بها إلا من طرف الجني الذي تتوفر فيه هذه المقدرة الخارقة للطبيعة ..
في حين أن مقدرة الإنسان تتعدى حدود ما يقوم به الجن ، وأنه بإمكانه أن يعمل أكثر وأعقد من هذه الملاحظات..
هذه الأحكام تصدر عن أناس ولدوا في بئة جهل تؤمن كثيرا بالسحر والشعوذة ، كما تؤمن بتحركات الجن وسيطرته اللاأخلاقية والوهمية على بني البشر..
وقد تعرض أولاد هذه البئة بالمفعول الوراثي من أجدادهم القدماء إلى هذه المعرفة التي تسايرت معهم قرونا عديدة من الزمن ، حيث يصعب إقناعهم بأي شكل من الأشكال بالإتجاه المعاكس ، وبالحقيقة التي جاء بها القرآن حول وهمية هذا الموضوع ..
فيشخصون هذه الأعراض بمفعول المس الجني ، ويرون أن علاج ذلك يتواجد وراء ما يسمونه بالرقيا الشرعية.. حيث يقوم الراقي المعالج بقراءة القرآن على المريض ، إلى أن يدخل في شبه غيبوبة ، نتيجة لقوة التركيز التي يوجهها إليه ، ونتيجة لقوة الإعتقاد المنبثقة عن البئة التي يعيش فيها .. حتى يتكلم هذا الجني الوهمي ، ويسأله الراقي عن سبب مجيئه ومسه لهذه الجثة ، ثم يضغط عليه بالخروج ويحدث الشفاء.
لكن في الحقيقة يحدث اللاشفاء ، أو الشفاء المؤقت.. كما لوحظ ذلك آلاف المرات..
ذلك لأن الجني الذي كان الراقي يعتقد أنه يكلمه ما هو إلا صدى العقل الباطني للإنسان الذي يحمل صدمة نفسية مؤلمة منذ طفولة هذا المريض.. وأن الراقي كان يتكلم مع تلك الصدمة لا غيرها..
وبإمكان هذه الصدمة أن تقوم بعلامات معقدة تؤثر فيها على المستوى العقلي والجسدي والسلوكي لدى الإنسان المريض.. كما تقوم بظواهرغيبية خارقة تجعل صاحبها يتمتع بقدرة كبيرة على التنبؤ بما يحدث مستقبلا..
ولهذا يقول سبحانه وتعالى:
" وفي أنفسكم أفلا تعقلون"
واللغة االتي تكلم بها هذا المريض ، إنما كانت موجودة في عقله الباطني من قبل أن يولد ، وانتقلت بصورة وراثية عبر الجينات من شخص لآخر ، حتى وصلت إليه عن طريق الصدمة التي ضربت صميم عقله الباطني فحركت تلك اللغة التي تكلم بها ، والتي كانت كمينة في نفسه ، إشارة بالآية :
" وعلم آدم الأسماء كلها "
فالله سبحانه وتعالى ، أودع جميع العلوم ، بما فيها من مفاهيم ولغات في عقل آدم ، وانحدرت إلينا عن طريق عامل الوراثة مختبئة في عقلنا الباطني.. ويتحرك هذا العلم أو هذه اللغات عند التعرض لصدمة نفسية عنيفة يتم خلالها فقدان الوعي لفترة زمنية محدودة..
و الشفاء الذي يحدث لا يدوم طويلا ، بل تعود الأعراض مرة ثانية حينما تتوفر لها فرصة الظهور التي أظهرتها في السابق.. لكن كل من المريض وأهله والراقي حينما يرون عودة الأعراض من جديد ، يعتقدون بعودة الجني مرة ثانية ويباشرون بالرقيا من جديد..
وفي هذه الحالة ، أي عندما تعود الأعراض مرة ثانية أو ثالثة يصعب جدا إيقافها سواء عن طريق الراقي أو غيره .. ذلك لأن العقل الباطني لدى المريض تفطن وانتبه إلى الخدعة التي إستعملها له الراقي المتوهم ، فلا يسقط مرة أخرى في هذا الخداع..
ولذلك نرى الكثير ممن تعرّضوا لهذه الحالات ، إنتهت نتيجتهم باليأس واصبحوا يطوفون حول مستشفيات الأمراض العقلية ، وحذفوا من أذهانهم تماما مسألة المس الجني والرقيا الخادعة ، في وقت متأخر جدا بالنسبة لصحتهم بعد أن جربوها مرارا وتكرارا ..
عندما يتكلم الراقي مع الجن الوهمي ، يتطرق به عن سبب مجيئه إلى هذه الجثة ، ومسه إياها .. وغالبا ما تكون إجابته بأن مجيئه كان بسبب أحد السحرة قد أرسله..
أو بسبب سحر قام به شخص معين بالتحديد.. وكثيرا ما يكون هذا الشخص هو زوجة المريض نفسه.. فيعطيه إسمها وأوصافها واليوم الذي قامت به بالسحر.. وهي بريئة تماما مما يصفون..
ومن يومها يحدث التوتر بين هذين الزوجين ، والتنافر بينهما.. ويوما بعد يوم يزداد النزاع أكثر لدرجة الإنفصال في كثير من الأحيان ، ولذلك يقول سبحانه وتعالى:
" ويتعلمون ما يفرقون به بين المرء وزوجه "
والشيء الذي دفع بهذا المريض أن يذكر إسم زوجته ويتهمها بالسحر دون أن يدري ، إنما يعود إلى حدوث نزاع مسبق بينهما ، وشكه فيها في كثير من الأمور ، وخاصة في ما يتعلق بالجانب السحري ، لكنه كان يكبتها ، فخرجت من عقالها عندما كبت الراقي وعي المريض[1]..
فالزوجة التي كانت متهمة بقيامها بالسحر ، وهي بريئة ، شريفة طاهرة ، إنما أصبحت هي المسحورة بما قاله زوجها إستعانة بالراقي..
لقد تعرضت لأذى هذا الراقي وخدعته الذي لم يتعمد ذلك طبعا ولكنه راح ضحية مفاهيم خاطئة .. وما على هذه الزوجة البريئة إلا أن تقول من أعماق قلبها :
" حسبي الله ونعم الوكيل "
وبطبيعة الحال ، فإن ما قام به هذا الراقي المتوهم ، هو السحر بعينه الذي أشار إليه القرآن الكريم في ثلاثة وستين آية متكلمة عن السحر.. 
وغريب الأمر أنهم يعتقدون بأن السحر الذي قامت به هذه الزوجة البريئة ، تم عن طريق إتصالها بأحد حملة القرآن الكريم الذي كتب لها القرآن على أوراق وأعطاهم إياها من أجل تنفيذها بمواصفات معينة كالشرب أو الدهن أو التعليق..
وهذا هو السحر في نظرهم ..
السحر عندهم - والعياذ بالله – هو كتابة القرآن .. والساحر هو الحامل لهذا القرآن..
ونسي هؤلاء كلام الله فأنساهم الله أنفسهم.. ولكن لا يشعرون..
إن السحر في القرآن الكريم هو :
" النفاثات في العقد "
وليس ما يكتبه القلم من القرآن الكريم..
فالله يصف القرآن بأنه :
" قرآن مجيد في لوح محفوظ " وليس سحرا..  
و لو فحصنا ذلك المريض فحصا نفسيا أو طبيا ، لوجدنا أنه يعاني من أسباب أخرى لا علاقة لها بالجن أو بالسحر إطلاقا..
فهو يعاني من إضطرابات عصبية ، بسبب صدمة نفسية ، صربت صميم عقله الباطني فخرج ما به من مكبوتات قديمة ، ترجع لوقت طفولته..
 كما لو قمنا بتحريات أخرى لوجدنا أن هذا الشخص المتهوم أي الزوجة الشريفة لا تعرف شيئا عن السحر إطلاقا..
وهذه الزوجة التي ذهبت ربما إلى حامل القرآن الكريم لتشتكي له من ظلم زوجها مصداقا لقوله عزوجل :
" قد سمع الله قول التي تشتكي من زوجها "
إنما دفعها لذلك إيمانها بالله ، الذي سوف تجده من وراء القرآن الكريم وحملته الذين لا يعرفون من حياتهم سوى هذا القرآن الذي يستنجدون به عند الضرورة ، ويدافعون به عن المظلومين ، نظرا لما فيه من كرامات أعطاها الله لعباده المؤمنين ..
إن كرامة القرآن توجد في كتابته ، بيد طاهرة ، وقد أعطاها الله لكل عباده المؤمنين الذين يحرزون على قدر كبير من التقوى والإيمان..
والذنب الوحيد الذي إرتكبه حامل القرآن الكريم هو قراءته لهذا القرآن الذي يعتبره بعضهم سحرا .. لأن القرآن وحامل هذا القرآن في نظرهم شيء واحد وهو السحر..
إن هذا النوع من العلاج اللاشرعي ، الذي يتم عن طريق الرقيا ومكالمة الجن والإستفسار منه عن سبب إيذائه للبشر.. قد هدم بيوتا ، وحطم منازل ، وفرق الأزواج ، وعرّض الأطفال إلى اليتم ، وملأ العيون بدموع المأساة.. إن لم أقل قد وصل إلى جرائم قتل كاملة في كثير من الأحيان .. والناس لا تزال على هذا الإيمان الأعمى الذي لا تؤيده الشريعة الإسلامية..
وما يثبت الدجل ، هو أن المريض حينما يوجه إليه الراقي  سؤالا ، فإنه لا يجيب إلا عن أشياء موجودة في وعيه بمعرفة مسبقة ، ولا يتكلم إطلاقا عن أشياء غير موجودة في هذا الوعي .. فإذا كان يشك في أن فلان هو الذي سحره فإنه أثناء الرقيا كما لوكان تحت تأثير التنويم المغناطيسي ، ينطق عقله الباطني بمحتوى ما هو موجود في وعيه .
وقد يكون هذا الراقي قد قام بهذه الأخطاء الخطيرة ، عن حسن نية طبقا لما يعتقد به من الأوهام ، دون أن يتعمد الإيذاء .. لكنه يكون أصما عندما تريد وعضه ، ولا يستمع إليك بحجة أنه يملك الحقيقة المطلقة .. وما أن تبدأ في محاورته حتى يستدل بأحاديث وآيات لا علاقة لها بالموضوع على الإطلاق..
فقد يستدل بالآية :
" خلق الإنسان من صلصال كالفخار ، وخلق الجان من مارج من نار"
والآية كما نراها واضحة تتكلم عن خلق الجن ، بينما لم تتكلم عن مس هذا الجن للبشر..
فالخلق شيء..والمس شيء آخر..
أو يستدل بالحديث :
" إن الشيطان يجري في الإنسان مجرى الدم في العروق"
لكنه يجري في العروق بالوسوسة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة الناس..
فالوسوسة شيء .. والمس شيء آخر.
وعموما ، فإنه من لديهم الرغبة في إشهار السحر والمس الجني ، هم الذين يؤمنون بهذا السحر والمس..
أما الذين لديهم الرغبة في إشهار العلم الذي جاء به القرآن الكريم فإنهم يقفون بالمرصاد ضد هذه المفاهيم البتراء..
وعلى العكس من ذلك ، نرى بعض الرقاة يقومون بقراءة القرآن على المريض ، لا أكثر ولا أقل .. ولا يتطرقون أبدا إلى ذلك الجانب من الشعوذة عن طريق إدعائهم بمكالمة الجني.. وقد يقرؤون القرآن على الماء ويعطونه للمريض من أجل أن يشربه..
إن مثل هؤلاء يمثلون الجانب المطهر والمقدس من الرقاة ، لأنهم لم يظلموا أحدا بألسنتهم ولم يتسببوا في شيء من المنكرات..وإخلاء البيوت..
أما الفئة الثانية فعليهم أن تتقوا الله حق تقاته ، ويتوبوا عن ذنوبهم ، ويذكرون يوما لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.  





- عندما يكبت الوعي ينطلق عنان اللاشعور في الكلام وذلك من معطيات التنويم المغناطيسي[1]